الحارث المحاسبي

94

الرعاية لحقوق الله

باب ما تخفف به الفكرة على القلب قلت : فما الذي يخففّها ؟ قال : العناية . قلت : فما تورث العناية ؟ قال : عظيم المعرفة بعظيم قدر ما ينال بالفكرة من المنافع في الدنيا والآخرة ، وبعظيم قدر ضرر الغفلة عن الفكر في المعاد . قلت : فإن اعترضته هذه الثلاث الخلال عند ذكره عظيم قدر ما ينال بالفكرة من المنافع ، فبم يدفعهنّ عند ذلك إذا ثقلت - باعتراضهنّ - الفكرة عليه ؟ قال : يرجع العبد إلى نفسه في هذه الثلاث الخلال ، إذا اعترضت عند إرادته الفكرة ، أو عرض بعضها دون بعض ؛ لأن كل خلّة منها فيها عبرة يذكر شكلها من شدائد الآخرة ، بل أعظم وأطمّ . فيرجع إلى نفسه بالعتاب لها وبالتوبيخ في ذلك ، فيقول لها : أتجزعين أن أسجن عقلك عن النظر في الدنيا ؟ فكيف بسجنك في النار أبدا ؟ فتحمّلي هذا الثقل القليل للنجاة من السجن الطويل ، أتجزعين من سجن عقلك فيك عن النظر في الدنيا لنجاتك وفوزك في المعاد ؟ ولا تجزعين إن تركت الفكرة التي تحجزك عن المعاصي التي تورثك السجن ، وتكبّك في النار أبدا ؟ فمن السجن في النار فاجزعي ! فتحملي هذا القليل الفاني للنجاة الدائمة .